مترٌ ونصفُ بافِتة
قصة قصيرة
في الأشياء الصغيرة ما لا يُرى من أول مرة.
غرزة تميل شعرةً واحدة، خيط يشدّ أكثر مما ينبغي، عقدة لا تُفكّ رغم بساطتها.
لا أحد يتوقف عندها طويلًا.
لكنها، بهدوء، تعيد ترتيب كل ما حولها.
في آخر الشارع، حيث يهدأ الصوت ويصير للخطوات صدى خفيف، كانت نادية تدير ماكينة الخياطة بقدمها.
الدواس تصعد وتهبط، والإبرة تنزل في نفس الموضع تقريبًا… ثم لا تنزل فيه تمامًا.
على الطاولة، قطعة بافِتة قطنية.
متر ونصف.
مرّت يدها عليها ببطء، كأنها تقيسها بشيء غير المازورة.
من الداخل، خرجت ابنتها، تحمل كراسة مطوية.
— “يا ماما… قالوا لازم مريلة جديدة.”
لم تنظر إليها فورًا.
بقيت عيناها على القماش.
— “هتلبسيها أن شاء الله كويس؟”
— “آه.”
قصّت القماش.
جزء للمريلة.
جزء لحقيبة صغيرة.
توقفت.
النقص ليس واضحًا… لكنه موجود.
كأن القماش يعرف أنه لن يكفي، حتى قبل أن يُقص.
جلست أمام الماكينة.
الدواس تتحرك.
والخيط يمشي مستقيمًا… إلى أن وصل المنتصف.
هناك، تباطأت قدمها.
ظهرت العقدة.
صغيرة.
غير لافتة.
لكنها شدّت الخيط حولها، كأنها تثبّت نفسها.
رفعت القماش.
أدخلت طرف الإبرة تحتها.
شدّت قليلًا.
ضاق المكان أكثر.
توقفت.
مرّت بإصبعها فوقها.
شعرت بها تحت الجلد، لا فوق القماش.
همست، دون أن تدري لمن:
— “خليكي.”
وأكملت.
في المساء، جاءت الجارة.
وقفت عند الباب، تنظر إلى المريلة المعلقة.
— “دي شغل إيدك؟”
هزّت نادية رأسها.
— “في تاجر بيدوّر على حد يخيط لبنات المدرسة… شغل كتير.”
سكتت لحظة، ثم أضافت:
— “اللي زي ده بيمشي.”
نظرت نادية إلى المريلة مرة أخرى.
تحديدًا إلى المنتصف.
— “يمشي…”
في الصباح، ارتدت البنت المريلة.
كانت مناسبة… تقريبًا.
عند الصدر، شدّ خفيف يجعل القماش يميل ناحية كتف دون الآخر.
رفعت الطفلة يدها، وعدّلتها.
سكتت لحظة… ثم تركتها.
نزلت بها إلى الشارع.
وقفت نادية عند الباب تراقبها.
كانت الخطوات مستقيمة.
والمريلة تميل قليلًا… ثم تعود… ثم تميل.
كأنها تتذكر شيئًا وتنساه.
بعد أيام، جاء التاجر.
ترك القماش، وتكلم بسرعة.
— “عايزهم كويسين… قبل أول الشهر.”
قالت:
— “اللي يطلع.”
جلست أمام الماكينة.
الدواسة.
الإبرة.
الخيط.
وفي كل مرة… عند المنتصف تقريبًا…
تظهر.
ليست نفس العقدة.
لكنها دائمًا هناك.
أحيانًا أصغر.
أحيانًا أشد.
تمرّ فوقها.
لا تحاول طويلًا.
كأنها تعرف أن شدّها سيشدّ كل شيء معها.
تتراكم القطع.
على الكرسي الخشبي.
وعلى أطراف أصابعها.
جلد الإبهام صار أسمك.
وفيه خط رفيع، كخيطٍ قديم لم يُسحب حتى النهاية.
في الزاوية، حقيبة البنت.
طرفها ينثني للداخل قليلًا.
وفي الصباحات، لم تعد الطفلة تعدّل المريلة فورًا.
تمشي بها كما هي.
ومع الوقت، صار الميل خفيفًا… مألوفًا…
كأنه جزء من وقفتها نفسها.
ذات ليلة، بعد أن سكتت الماكينة،
بقيت نادية وحدها.
قطعة جديدة بين يديها.
متر ونصف.
بدأت الخياطة.
عند المنتصف… ظهرت.
توقفت.
نظرت إليها طويلًا هذه المرة.
بدت أوضح من كل مرة.
أكثر هدوءًا… كأنها تنتظر.
وضعت الإبرة تحتها.
ثم سحبت يدها ببطء.
مرّت بإصبعها فوقها.
كما تفعل كل مرة… لكن بوعي مختلف.
— “عارفاكِ.”
أكملت.
عندما انتهت، لم تعلّق القماش.
رفعت القطعة، ووضعتها على كتفيها.
استقرّت لحظة…
ثم مالت قليلًا.
رفعت يدها لتعدّلها.
توقفت في الهواء.
نظرت إلى المرآة.
لم يكن القماش وحده.
كتفها نفسه… مائل قليلًا.
انحناءة خفيفة لم تنتبه لها من قبل.
كما لو أن سنوات من الإكمال… سحبتها شعرة واحدة إلى جانب.
ظلّت تنظر.
ثم أنزلت يدها.
شدّت القماش حولها أكثر.
تركت الميل كما هو.
بقيت واقفة هكذا.
كأنها أخيرًا… في مكانها الصحيح.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق